عبد الرحمن السهيلي

61

الروض الأنف في تفسير السيرة النبوية ( دار الفكر )

النهي ، والله أعلم ، وكان ابن سيرين يكره لكل أحد أن يتكنى بأبي القاسم ، كان اسمه محمداً ، أو لم يكن . وطائفة إنما يكرهونه لمن اسمه محمد ، وفي المعيطي أيضاً أنه سئل عن التسمية بمهدي فكرهه ، وقال : وما علمه بأنه مهدي ، وأباح التسمية بالهادي ، وقال : لأن الهادي هو الذي يهدي إلى الطريق ، وقد قدمنا كراهية مالك التسمي بجبريل . وقد ذكر ابن إسحاق كراهية عمر للتسمي بأسماء الملائكة ، وكره مالك التسمي بياسين . ويسألونك عن الروح : فصل : وذكر سؤالهم عن الروح ، وما أنزل الله فيه من قوله تعالى : « ويَسْأَلُونك عن الرُّوح » الآية وروي عن ابن إسحاق من غير طريق البكائي أنه قال في هذا الخبر : فناداهم رسول الله صلى الله عليه وسلم : هو جبريل ، وهذه الرواية عن ابن إسحاق تدل على خلاف ما روى غيره أن يهود قالت لقريش : اسألوه عن الروح ، فإن أخبركم به فليس بنبي ، وإن لم يخبركم فهو نبي ، وقال ابن إسحاق فيما تقدم من الحديث : اسألوه عن الرجل الطواف ، وعن الفتية ، وعن الروح ، فإن أخبركم وإلا فالرجل متقول فسوى في الخبر بين الروح وغيره . من هو الروح ؟ : واختلف أهل التأويل في الروح المسؤول عنه ، فقال بعضهم : هو جبريل ؛ لأنه الروح الأمين ، وروح القدس ، وعلى هذا رواية ابن إسحاق أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لقريش حين سألوه : هو جبريل ، وقالت طائفة : الروح خلق من الملائكة على صور بني آدم ، وقالت طائفة : الروح خلق يرون الملائكة ، ولا تراهم ، فهم للملائكة كالملائكة لبني آدم ، وروي عن علي أنه قال : الروح ملك له مائة ألف رأسن لكل رأس مائة ألف وجه ، في كل وجه مائة ألف فم ، في كل فم مائة ألف لسان ، يسبح الله بلغات مختلفة ، وقالت طائفة : الروح الذي سألت عنه يهود هو : روح الإنسان ، ثم اختلف أصحاب هذا القول ، فمنهم من قال : لم يجبهم رسول الله صلى الله عليه وسلم عن سؤالهم ، لأنهم سألوه تعنتاً واستهزاءً ، فقال الله له : قل : الروح من أمر ربي ، ولم يأمره أن يبينه لهم ، وقالت طائفة : بل قد أخبرهم الله به ، وأجابهم عما سألوا ؛ لأنه قال لنبيه : قل الروح من أمر ربي ، وأمر الرب هو الشرع ، والكتاب الذي جاء به ، فمن دخل في الشرع وتفقه في الكتاب والسنة عرف الروح ، فكأن معنى الكلام : ادخلوا في الدين تعرفوا ما سألتم ، فإنه من أمر ربي ، أي : من الأمر الذي جئت به مبلغاً عن ربي ، وذلك أن الروح لا سبيل إلى معرفته من جهة الطبيعة ، ولا من جهة الفلسفة ، ولا من جهة الرأي والقياس ، وإنما يعرف من جهة الشرع ، فإذا نظرت إلى ما في الكتاب والسنة من ذكره نحو قوله سبحانه : « ثُمَّ سَوَّاه ونَفَخَ فيه من رُوحه » السجدة أي من روح الحياة ، والحياة من صفات الله سبحانه ، والنفخ في الحقيقة مضاف إلى ملك ينفخ فيه بأمر ربه ، وتنظر إلى ما أخبر به الرسول عليه السلام أن الأرواح جنود مجندة ، وأنها تتعارف وتتشام في الهواء ، وأنها تقبض من الأجساد بعد الموت ، وأنها تسأل في القبر ، فتفهم السؤال وتسمع وترى ، وتنعم وتعذب وتلتذ وتألم ، وهذه كلها من صفات الأجسام ، فتعرف أنها أجسام بهذه الدلائل ، لكنها ليست كالأجساد في كثافتها وثقلها وإظلامها ، إذ الأجساد خلقت من ماء وطين وحمإ مسنون ،